بيانات المؤلف
أبو عبد الله المقري التلمساني
| الديانة | مسلم |
| التوجه | سني |
| المذهب الفقهي | مالكي |
| المذهب العقدي | أشعري |
| العهد | متقدم |
| تاريخ الميلاد | |
| تاريخ الوفاة | 759 |
محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري
يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس وتلمسان.
أوّليّته: نقلت من خطّه، قال : وكان الذي اتخذها من سلفنا قرارا بعد أن كانت لمن قبله مرارا ، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري، صاحب أبي مدين ، الذي دعا له ولذرّيته، بما ظهر فيهم من قبول وتبيّن. وهو أبي الخامس؛ فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي الصلاة، حتى أنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور، ممّا أدركه من مقامات شيخه أبي مدين. ثم اشتهرت ذريّته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهّدوا طريق الصحراء بحفر الآبار، وتأمين التّجار، واتخذوا طبل الرّحيل ، وراية التّقدم عند المسير.
وكان ولد يحيى، الذي كان أحدهم أبو بكر، خمسة رجال، فعقدوا الشّركة بينهم فيما ملكوه وفيما يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، وكان أبو بكر ومحمد، وهما أرومتا نسبي من جميع جهات الأم والأب بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي، وهما شقيقاهم الصغيران، بأي والأتن فاتخذوا هذه الأقطار والحوايط والدّيار، فتزوجوا النساء، واستولدوا الإماء. وكان التلمساني يبعث إلى الصّحراوي بما يرسم له من السلع. ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتّبر، والسّجلماسي كلسان الميزان يعرّفهما بقدر الرّجحان والخسران ، ويكاتبهما بأحوال التّجار، وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الفخامة أحوالهم. ولما افتتح التّكرور كورة أي والأتن وأعمالها، أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرّجال، ونصب دون ماله القتال. ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه، ومكّنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحبّ، والخلاصة الأقرب. ثم صار يكاتب من بتلمسان، يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب الملوك بالمغرب، ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذلّلت لهم الأرض للسّلوك، فخرجت أموالهم عن الحدّ، وكادت تفوق الحصر والعدّ؛ لأن بلاد الصحراء، قبل أن يدخلها أهل مصر، كانت تجلب لها من المغرب ما لا بال له من السّلع، فيعاوض عنه بماله بال من الثمن . ثم قال أبو مدين:
الدنيا ضمّ جنب أبو حمو ، وشمل ثوباه. كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السّلع، ويأتون بالتّبر الذي كلّ أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذّهب، ويأتي إليها بما يضمحلّ عن قريب ويذهب، إلى ما يغيّر من العوائد، ويجرّ السفهاء إلى المفاسد.
ولما هلك هؤلاء الأشياخ، جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلطان ، فلم تزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمان ، فها أنا ذا لم أدرك في ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشا، وأصوله حرمة. ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرّغت بحول الله، عزّ وجلّ، للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضا وإلقاء، سواء المقيم القاطن، والوارد والظاعن.
حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة المغربية اجتهادا، ودؤوبا، وحفظا وعناية، واطلاعا، ونقلا ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التّصنّع، كثير الهشّة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلّق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجّه، يكابد من تحصيل النيّة بالوجه واليدين مشقّة، ثم يغافض الوقت فيها، ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير، برجفة ينبو عنها سمع من لم يكن تأنّس بها عادة، بما هو دليل على حسن المعاملة، وإرسال السّجية، قديم النّعمة، متصل الخيريّة، مكبّ على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصّيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع عند المباحثة، راحب عن الصّدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن، ولا ضانّ بالفائدة، كثير الالتفاف، متقلّب الحدقة، جهير بالحجّة، بعيد عن المراء والمباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطّلبة، يقوم أتمّ القيام على العربيّة والفقه والتفسير، ويحفظ الحديث، ويتهجّر بحفظ الأخبار والتاريخ والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر مصيبا في ذلك غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصّوفية كلام أرباب المقال، ويعتني بالتّدوين فيها. شرّق وحجّ، ولقي جلّة، واضطبن رحلة مفيدة، ثم آب إلى بلده، فأقرأ به، وانقطع إلى خدمة العلم. فلما ولي ملك المغرب السلطان، محالف الصّنع ونشيدة الملك، وأثير الله من بين القرابة والإخوة أمير المسلمين أبو عنان فارس ، اجتذبه وخلطه بنفسه، واشتمل عليه، وولّاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقلّ بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحكم ، وألان الكلمة، وآثر التّسديد، وحمل الكلّ ، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة ، وأحبّته الخاصّة والعامة.
حضرت بعض مجالسه للحكم، فرأيت من صبره على اللّدد ، وتأتّيه للحجج ورفقه بالخصوم، ما قضيت منه العجب.