اللطيف

الاسم اللطيف
نوع الاسم الأسماء المطلقة المضافة
معلومات إضافية عن الاسم

جاء اسم اللطيف مقترنا مع الخبير، وهذا يفيد: أن أفعاله التي لطفت عن أن تدركها العقول والأفهام قد أحاطت بما تعبت في إدراكه العقول والأفهام، وأن لطفه وصنائعه وبره وإحسانه، إنما دقت على العقول والأفهام؛ لأنها جارية على مقتضى خبرته التي هي فوق إدراك العقول والأفهام، فلطفه عز وجل وهو رفقه وإحسانه إنما هو لطف الخبير. ينظر: مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام لد. نجلاء كردي

والحكمة من تقديم اللطيف على الخبير؛ قال الماوردي رحمه الله: "يحتمل وجهان من التأويل: أحدهما: لطيف بعباده في الإِنعام عليهم، خبير بمصالحهم، والثاني: لطيف في التدبير خبير بالحكمة". النكت والعيون (2/135)، وقد يكون من الحكمة: "أن الله تعالى يطلِّع على بواطن الأمور ويلطف بعباده، فلا يُقدِّر لهم إلا ما فيه الخير، وقد يخفى على العبد هذا الخير، فيُقابل قضاء الله بالاعتراض، فلا يلطف بك إلا من عرفك وكان خبيرًا بمواطن ضعفك وقوتك وبكل أحوالك". شرح وأسرار الأسماء الحسنى لهاني حلمي.


الأدلة على الاسم من القرآن
  1. اء هذا الاسم في ستة آيات من كتاب الله تعالى، وهي: قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]
  2. قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]
  3. قال تعالى: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100]
  4. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63]
  5. قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]
  6. قال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19]
الأدلة على الاسم من السنة
  1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: ألا أحدثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعني، قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: «ما لك؟ يا عائش، حشيا رابية» قالت: قلت: لا شيء، قال: «لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير» قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: «فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟» قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟» صحيح مسلم (2/669) رقم (974)
صيغة أخرى من الاسم
سرد الأسماء ذات صلة
القائلون بثبوته
  1. ذكره جميع من ألف في جمع الأسماء عدا الأصبهاني
الصفة التي اشتق منها الاسم (المصدر) اللطف
نوع الصفة صفة ذاتية فعلية لازمة
معلومات إضافية عن الصفة
الأدلة على ثبوت الصفة من القرآن
  1. ثبوت اسم الله تعالى اللطيف في الآيات
  2. قال تعالى: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100]
الأدلة على ثبوت الصفة من السنة
الحكم
الأدلة على الفعل من القرآن
الأدلة على الفعل من السنة
دلالات الاسم

يدل اسم الله تعالى اللطيف بدلالة المطابقة على الذات وعلى صفة اللطف.

ويدل بالتضمن على الذات منفردة، وعلى صفة اللطف منفردة.

ويدل بدلالة الالتزام على صفات عديدة، كالحياة، والعلم، والإحاطة، والقدرة، والحكمة، وغيرها. 

شرح الاسم

قال ابن فارس: (لطف) اللام والطاء والفاء أصل يدل على رفق ويدل على صغر في الشيء. فاللطف: الرفق في العمل؛ يقال: هو لطيف بعباده، أي رؤوف رفيق. معجم مقاييس اللغة لابن فارس (5/250)

وأما معنى اللطيف في حق الله تعالى:

قال الزجاج: "المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون".

وقال الخطابي:

اللطيف: "هو البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون". شأن الدعاء (1/62)

وقال ابن الأثير: اللطيف: هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه"

وقال ابن القيم في نونيته:

وهو اللطيف بعبده ولعبده ... واللطف في أوصافه نوعان

إدراك أسرار الأمور بخبرة ... واللطف عند مواقع الإحسان

فيريك عزته ويبدي لطفه ... والعبد في الغفلات عن ذا الشان

وقال السعدي: "اللطيف الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفياتها، وسرائرها، الذي يسوق إلى عبده الخير، ويدفع عنه الشر بطرق لطيفة تخفى على العباد"، "ومن معاني {اللطيف} الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق، ما لا يدريه، ويريه من الأسباب، التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا له إلى أعلى الدرجات، وأرفع المنازل". تفسير السعدي (ص: 544) تفسير السعدي (ص: 664)

فتبين من هذه الأقوال أن معنى اللطيف في حق الله تعالى يشتمل معنيين:

الأول: العلم والإحاطة بدقائق الأمور وبواطنها.

الثاني: البر والإحسان بعباده، بجلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم.

المقتضى اللازم

مقتضى اسم الله اللطيف أن الله تعالى متصف بالعلم المحيط بكل شيء، المحسن لعباده، الرفيق بهم.

المقتضى المتعدي

إن مقتضى اسم الله تعالى اللطيف يقتضي إثبات لطف الله تعالى بعباده، ورحمته بهم، قال الشيخ السعدي رحمه الله في المواهب الربانية من الآيات القرآنية: "فإن اللطيف بمعنى الخبير العليم قد تقرر معناه، ولكن المطلوب هنا المعنى الثاني، الذي يضطر إليه العباد، ولنذكر بعض أمثلته وأنواعه؛ ليتضح: فاعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة؛ فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، فإذا قال العبد: يا لطيف الطف بي أو لي وأسألك لطفك؛ فمعناه: تولني ولاية خاصة، بها تصلح أحوالي الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطف بالعبد والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسر الله عبده وسهل طريق الخير وأعانه عليه فقد لطف به، وإذا قيض الله له أسبابا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد، فيها صلاحه فقد لطف له، ولهذا لما تنقلت بيوسف عليه الصلاة والسلام تلك الأحوال، وتطورت به الأطوار من رؤياه وحسد إخوته له وسعيهم في إبعاده جدا، واختصاصهم بأبيهم، ثم محنته بالنسوة، ثم بالسجن، ثم بالخروج منه بسبب رؤيا الملك العظيمة وانفراده بتعبيرها، وتبوئه من الأرض حيث يشاء، وحصول ما حصل على أبيه من الابتلاء والامتحان، ثم حصل بعد ذلك الاجتماع السار، وإزالة الأكدار وصلاح حالة الجميع، والاجتباء العظيم ليوسف، عرف عليه الصلاة والسلام أن هذه الأشياء وغيرها لطفٌ لطف الله لهم به، فاعترف بهذه النعمة فقال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، أي: لطفه تعالى خاص لمن يشاء من عباده ممن يعلمه تعالى محلا لذلك، وأهلا له، فلا يضعه إلا في محله، والله أعلم حيث يضع فضله، فإذا رأيت الله تعالى قد يسر العبد لليسرى وسهل له طريق الخير، وذلل له صعابه وفتح له أبوابه ونهج له طرقه ومهد له أسبابه وجنبه العسرى فقد لطف به.

ومن لطفه بعباده المؤمنين أنه يتولاهم بلطفه فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والكفر والبدع والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.

ومن لطفه: أنه يرحمهم من طاعة أنفسهم الأمارة بالسوء، التي هذا طبعها وديدنها؛ فيوفقهم لنهي النفس عن الهوى، ويصرف عنهم السوء والفحشاء، فتوجد أسباب الفتنة، وجواذب المعاصي، وشهوات الغي؛ فيرسل الله عليها برهان لطفه، ونور إيمانهم الذي من به عليهم؛ فيدعونها مطمئنين لذلك، منشرحة لتركها صدورهم.

ومن لطفه بعباده أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا يحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح؛ فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه، لطفا بهم وبرا وإحسانا {اللهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: ۱۹]، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنزِلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: ٢٧].

ومن لطفه بهم: أنه يقدر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن والابتلاء بالأمر والنهي الشاق رحمة بهم ولطفا، وسوقا إلى كمالهم وكمال نعيمهم: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦].

ومن لطيف لطفه بعبده إذ أهله للمراتب العالية، والمنازل السامية - التي لا تدرك إلا بالأسباب العظام التي لا يدركها إلا أرباب الهمم العالية، والعزائم السامية - أن يقدر له في ابتداء أمره بعض الأسباب المحتملة المناسبة للأسباب التي أهل لها؛ ليتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ولتتمرن نفسه، ويصير له ملكة من جنس ذلك الأمر، وهذا كما قدر لموسى ومحمد وغيرهما من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم في ابتداء أمرهم رعاية الغنم؛ ليتدرجوا من رعاية الحيوان البهيم وإصلاحه إلى رعاية بني آدم ودعوتهم وإصلاحهم.

وكذلك يذيق عبده حلاوة بعض الطاعات؛ فينجذب ويرغب، ويصير له ملكة قوية بعد ذلك على طاعات أجل منها وأعلى، ولم تكن تحصل بتلك الإرادة السابقة، حتى وصل إلى هذه الإرادة والرغبة التامة.

ومن لطفه بعبده أن يُقدّر له أن يتربى في ولاية أهل الصلاح والعلم والإيمان، وبين أهل الخير؛ ليكتسب من أدبهم وتأديبهم، ولينشأ على صلاحهم وإصلاحهم، كما امتن الله على مريم في قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنِ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: ۳۷] إلى آخر قصتها.

ومن ذلك: إذا نشأ بين أبوين صالحين، وأقارب أتقياء، أو في بلد صلاح أو وفقه الله لمقارنة أهل الخير وصحبتهم، أو لتربية العلماء الربانيين؛ فإن هذا من أعظم لطقه بعبده، فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة منها، بل من أكثرها وأعظمها نفعا، هذه الحالة، ومن ذلك إذا نشأ العبد في بلد أهله على مذهب أهل السنة والجماعة فإن هذا لطف له.

وكذلك: إذا قدر الله أن يكون مشايخه الذين يستفيد منهم - الأحياء منهم والأموات - أهل سنة وتقى فإن هذا من اللطف الرباني، ولا يخفى لطف الباري في وجود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - في أثناء قرون هذه الأمة - وتبيين الله به وبتلامذته من الخير الكثير، والعلم الغزير، وجهاد أهل البدع والتعطيل والكفر، ثم انتشار كتبه في هذه الأوقات، فلا شك أن هذا من لطف الله لمن انتفع بها، وأنه يتوقف خير كثير على وجودها، فلله الحمد والمنة والفضل.

ومن لطف الله بعبده أن يجعل رزقه حلالا في راحة وقناعة، يحصل به المقصود ولا يشغله عما خلق له من العبادة والعلم والعمل، بل يعينه على ذلك ويفرغه، ويريح خاطره وأعضاءه، ولهذا من لطف الله تعالى لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن فيها إدراك بغيته، فيعلم الله تعالى أنها تضره وتصده عما ينفعه؛ فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارها ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع: وصرف عنه الأمر الضار، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل.

ومن لطف الله بعبده - إذا قدر له طاعة جليلة لا تنال إلا بأعوان: أن يقدر له أعوانا عليها ومساعدين على حملها، قال موسى عليه السلام: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هَرُونَ أَخَي * اشدد بهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكه من أمري* كي نسبحك كثيرا} [طه: ٢٩ - ٣٤]، وكذلك امتن على عيسى بقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِينَ أَن امِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنَنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: ١١١]، وامتن على سيد الخلق في قوله: {هُوَ الذى أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ٦٢]، وهذا لطف لعبده خارج عن قدرته.

ومن هذا لطف الله بالهادين: إذا قيض الله من يهتدي بهداهم، ويقبل إرشادهم؛ فتتضاعف بذلك الخيرات والأجور التي لا يدركها العبد بمجرد فعله، بل هي مشروطة بأمر خارجي.

ومن لطف الله بعبده أن يعطي عبده من الأولاد والأموال والأزواج ما به تقر عينه في الدنيا، ويحصل له به السرور، ثم يبتليه ببعض ذلك، ويأخذه ويعوضه عليه الأجر العظيم إذا صبر واحتسب، فنعمة الله عليه بأخذه على هذا الوجه أعظم من نعمته عليه في وجوده، وقضاء مجرد وطره الدنيوي منه. وهذا أيضًا خير وأجر خارج عن أحوال العبد بنفسه، بل هو لطف من الله له، قيض له أسبابا أعاضه عليها الثواب الجزيل، والأجر الجميل.

ومن لطف الله بعبده أن يبتليه ببعض المصائب، فيوفقه للقيام بوظيفة الصبر فيها؛ فينيله درجات عالية لا يدركها بعمله، وقد يُشدد عليه الابتلاء بذلك، كما فعل بأيوب عليه السلام، ويوجد في قلبه حلاوة روح الرجاء، وتأميل الرحمة، وكشف الضر، فيُخفف الله، وتنشط نفسه، ولهذا من لطف الله بالمؤمنين: أن جعل في قلوبهم احتساب الأجر؛ فخفت مصائبهم، وهان ما يلقون من المشاق في حصول مرضاته.

ومن لطف الله بعبده المؤمن الضعيف: أن يعافيه من أسباب الابتلاء التي تضعف إيمانه، وتنقص إيقانه، كما أن من لطفه بالمؤمن القوي تهيئة أسباب الابتلاء والامتحان ويعينه عليها، ويحملها عنه ويزداد بذلك إيمانه، ويعظم أجره، فسبحان اللطيف في ابتلائه وعافيته، وعطائه ومنعه.

ومن لطف الله بعبده: أن يسعى لكمال نفسه مع أقرب طريق يوصله إلى ذلك، مع وجود غيرها من الطرق التي تبعد عليه، فيسر عليه التعلم من كتاب أو معلم يكون حصول المقصود به أقرب وأسهل، وكذلك ييسره لعبادة يفعلها بحالة اليسر والسهولة، وعدم التعويق عن غيرها مما ينفعه، فهذا من اللطف.

ومن لطف الله بعبده: قدر الواردات الكثيرة، والأشغال المتنوعة والتدبيرات والتعلقات الداخلة والخارجة، التي لو قسمت على أمة من الناس لعجزت قواهم عليها، أن يمن عليه بخُلُقٍ واسع، وصدر متسع، وقلب منشرحب حيث يُعطي كل فرد من أفرادها نظرًا ثاقبا، وتدبيرا تاما، وهو غير مكترث ولا منزعج لكثرتها وتفاوتها، بل قد أعانه الله تعالى عليها، ولطف به فيها، ولطف له في تسهيل أسبابها وطرقها.

وإذا أردت أن تعرف هذا الأمر فانظر إلى حالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله بصلاح الدارين، وحصول السعادتين، وبعثه مكملا لنفسه ومكملا لأمة عظيمة هي خير الأمم، ومع هذا مكنه الله ببعض عمره الشريف في نحو ثلث عمره أن يقوم بأمر الله كله على كثرته وتنوعه، وأن يقيم لأمته جميع دينهم، ويعلمهم جميع أصوله وفروعه، ويُخرج الله به أمة كبيرة من الظلمات إلى النور، ويحصل به من المصالح والمنافع والخير والسعادة - للخاص والعام - ما لا تقوم به أمة من الخلق.

ومن لطف الله تعالى بعبده أن يجعل ما يبتليه به من المعاصي سببا لرحمته، فيفتح له عند وقوع ذلك باب التوبة والتضرع، والابتهال إلى ربه، وازدراء نفسه واحتقارها، وزوال العجب والكبر من قلبه ما هو خير له من كثير من الطاعات.

ومن لطف الله تعالى بعبده الحبيب عنده: إذا مالت نفسه مع شهوات النفس الضارة، واسترسلت في ذلك، أن ينغصها عليه ويكدرها، فلا يكاد يتناول منها شيئًا إلا مقرونا بالمكدرات محشوا بالغصص؛ لئلا يميل معها كل الميل، كما أن من لطفه به أن يلذذ له التقربات، ويحلي له الطاعات؛ ليميل إليها كل الميل.

ومن لطيف لطف الله بعبده أن يأجره على أعمال لم يعملها بل عزم عليها، فيعزم على قرية من القرب ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب فلا يفعلها، فيحصل له أجرها، فانظر كيف لطف الله به فأوقعها في قلبه، وأدارها في ضميره، وقد علم تعالى أنه لا يفعلها؛ سوقا لبره لعبده وإحسانه بكل طريق.

وألطف من ذلك : أن يقيض لعبده طاعة أخرى غير التي عزم عليها، هي أنفع له منها؛ فيدع العبد الطاعة التي ترضي ربه لطاعة أخرى هي أرضى الله منها، فتحصل له المفعولة بالفعل والمعزوم عليها بالنية، وإذا كان من يهاجر إلى الله ورسوله، ثم يُدركه الموت قبل حصول مقصوده قد وقع أجره على الله، مع أن قطع الموت بغير اختياره فكيف بمن قطعت عليه نيته الفاضلة طاعة قد عزم على فعلها؟! وربما أدار الله في ضمير عبده عدة طاعات، كل طاعة لو انفردت لفعلها العبد؛ لكمال رغبته، ولا يمكن فعل شيء منها إلا بتفويت الأخرى، فيوفقه للموازنة بينها، وإيثار أفضلها فعلا مع رجاء حصولها جميعها عزما ونية.

وألطف من هذا أن يُقدر تعالى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية ويُوفِّر له دواعيها، وهو تعالى يعلم أنه لا يفعلها؛ ليكون تركه لتلك المعصية التي توفرت أسباب فعلها من أكبر الطاعات، كما لطف بيوسف عليه السلام في مراودة المرأة، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إِنِّي أَخَافُ الله.

ومن لطف الله بعبده: أن يُقدر خيرًا وإحسانًا من عبده، ويُجريه على يد عبده الآخر، ويجعله طريقا إلى وصوله للمستحق، فيثيب الله الأول والآخر.

ومن لطف الله بعبده أن يُجري بشيء من ماله شيئًا من المنافع وخيرا لغيره؛ فيثيبه من حيث لا يحتسب، فمن غرس غرسا، أو زرع زرعا فأصابت منه روح من الأرواح المحترمة شيئًا أجر الله صاحبه وهو لا يدري ! خصوصا إذا كانت عنده نية حسنة، وعقد مع ربه عقدًا في أنه مهما ترتب على ماله شيء من النفع، فأسألك يا رب أن تأجرني، وتجعله قربة لي عندك، وكذلك لو كان له بهائم النفع بدرها وركوبها والحمل عليها، أو مساكن التفع بسكناها ولو شيئًا قليلا، أو ماعون ونحوه انتفع به، أو عين شرب منها، وغير ذلك - ككتاب التفع به في تعلم شيء منه، أو مصحف قرى فيه - والله ذو الفضل العظيم.

ومن لطف الله بعبده أن يفتح له بابا من أبواب الخير لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلة رغبته فيه، وإنما هو غفلة منه، وذهول عن ذلك الطريق، فلم يشعر إلا وقد وجد في قلبه الداعي إليه، واللافت إليه؛ ففرح بذلك، وعرف أنها من ألطاف سيده وطرقه التي قيض وصولها إليه، فصرف لها ضميره، ووجه إليها فكره، وأدرك منها ما شاء الله وفتح.


الأثر المترتب على الإيمان بالاسم

1. إثبات اسم الله تعالى اللطيف، وما يدل عليه من معاني وصفات.

2. إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، وأنه سبحانه لا يغيب عنه شيء صغر أو كبر، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.

3. الإخلاص لله تعالى في العمل، والإحسان في العبادة، وإتقان العمل، فالله تعالى مطلع على السرائر، ولا تخفى عليه خافية.

4. صدق التوكل على الله تعالى، والاعتماد عليه في كل الأحوال، وتفويض الأمور إليه سبحانه، فهو اللطيف الخبير، العليم بما يصلح عبده، وهو الرؤوف به، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

5. محاسبة النفس، وشدة مراقبة العبد لربه تعالى، والخشية منه، وتجنب معصيته؛ لإيمانه بكمال إحاطته، وعظيم علمه، واطلاعه على كل أحواله وأموره.

6. الحرص على العمل الصالح، والأمن على حسناته، فالله تعالى عليم بكل ما يعمله العبد من عمل صالح، ومطلع عليه، ويثيبه عليه، ولا يضيع عنده شيء من خير يقدمه العبد ولو جحده الخلق، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.

7. شدة محبة الله تعالى للطفه بعباده، ورحمته بهم، ودفعه الشرور عنهم، وتقدير الخير لهم في كل أمورهم.

8. الرضا بشرع الله تعالى، واليقين بأنه حق وعدل، وأن الله تعالى غني عن عباده وعملهم، قال ابن القيم رحمه الله: "اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك، إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا لا حاجة منه إليك" بدائع الفوائد (مكتبة دار الكتاب العربي) (4/ 328).

9. الرجاء في مغفرة الله تعالى ورحمته، وعدم اليأس من رحمته، وسرعة التوبة إليه، فمن لطف الله تعالى أنه يغفر لعباده ويتجاوز عن سيئاتهم، قال القاسمي: "فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم، وهذا من لطفه وبره ورأفته وعائدته على خلقه: أن من تاب إليه تاب عليه".

10. الصبر والرضا بقدر الله تعالى، وإن كان مؤلما، فالله تعالى لطيف في أقداره، والشر ليس إليه، وكل قضاء يقضيه فهو خير لعبده المؤمن، قال ابن القيم رحمه الله: "واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ومنه التلطف ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن" فالقضاء كله خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما جلب... وكذلك فعله بعباده وأوليائه يوصل إليهم نعمة ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويحصر اللسان عن التعبير عنه" شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 34)

11. طمأنينة القلب وسكينة النفس، وعدم الخوف من هم الرزق، وصعوبات الحياة، ومتطلبات المعيشة، فلطف الله تعالى يقتضي تيسير ذلك لعبده من وجوده في بطن أمه وحتى وفاته.

12. اتصاف العبد بصفة اللطف مع الخلق، فالله تعالى يحب اللطيف من عباده، قال ابن القيم رحمه الله: "ولطيف يحب اللطيف من عباده، ويبغض الفظ الغليظ القاسي الجعظري الجواظ". الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 35)

13. اللجوء إلى الله تعالى، والاستعاذة بلطفه، ودعاؤوه سبحانه باسمه اللطيف، قال القاسمي رحمه الله: "هذا فزع منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سنن الأنبياء والصالحين، في قصر نيل الخيرات، والنجاة من الشرور على جناب الله عز وجل، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم، ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة".

ومن هنا يعلم خطأ قول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن اسألك اللطف فيه، فهذا مناف للجوء إلى لطف الله تعالى وعظيم كرمه ورحمته بعباده.

14. التأمل والتدبر في عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وعزته، قال ابن القيم رحمه الله: " تأمل العبرة في موضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه وكمال حكمته وكمال لطفه فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه". مفتاح دار السعادة (1/ 206).


Loading...