التواب

الاسم التواب
نوع الاسم الأسماء المطلقة
معلومات إضافية عن الاسم

جاء اسم الله تعالى التواب مقترنا مع اسمي الله تعالى الرحيم والحكيم.

واقترانه بالرحيم يدل على كمال تفضله وإنعامه على عباده، فمع توبته عليه يرحمه بقبول توبته وهدايته إليها، ويحسن إليه بالمغفرة والعفو.

واقترانه مع الحكيم يفيد أن توبة الله تعالى على عباده بإقامة الحدود على بعض المذنبين أنذلك لحكمة بالغة وهو صلاح العباد وأحوالهم، قال ابن عاشور: "وفي ذكر وصف (الحكيم) هنا مع وصف (تواب) إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة وهي استصلاح الناس". التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية (18/ 169)


الأدلة على الاسم من القرآن
  1. قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]
  2. قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54]
  3. قال تعالى:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128]
  4. قال تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة: 160]
  5. قال تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]
  6. قال تعالى:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]
  7. قال تعالى:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } [النور: 10]
  8. قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]
الأدلة على الاسم من السنة
  1. عن ابن عمر قال: كان يعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور". مسند أحمد (8/ 350) رقم (4726)، وسنن أبي داود (2/ 85) رقم (1516)، وسنن الترمذي (5/ 494) رقم (3434)، وسنن ابن ماجه (2/ 1253) رقم (3814).
  2. عن عبد الله، قال: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء نصر الله والفتح، كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم" ثلاثا. مسند أحمد (6/ 207) رقم (3683).
صيغة أخرى من الاسم
سرد الأسماء ذات صلة
القائلون بثبوته
  1. ذكره الجميع بلا استثناء
الصفة التي اشتق منها الاسم (المصدر) التوبة
نوع الصفة صفة اختيارية فعلية متعدية
معلومات إضافية عن الصفة
الأدلة على ثبوت الصفة من القرآن
  1. قال تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]
  2. قال تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17]
  3. قال تعالى:{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا } [النساء: 27]
  4. قال تعالى:{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 39]
  5. قال تعالى:{ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 27]
  6. قال تعالى:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102]
  7. قال تعالى:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 106]
الأدلة على ثبوت الصفة من السنة
  1. عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». صحيح البخاري (8/ 92) رقم (6436)، صحيح مسلم (2/ 725) رقم (1048)
الحكم
الأدلة على الفعل من القرآن
  1. قال تعالى:{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 71]
  2. قال تعالى:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]
  3. قال تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: 187]
  4. قال تعالى:{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122]
  5. قال تعالى:{وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]
الأدلة على الفعل من السنة
  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله، فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيستشهد" صحيح البخاري (4/ 24) رقم (2826)، صحيح مسلم (3/ 1504) رقم (1890).
دلالات الاسم

يدل اسم الله تعالى التواب بدلالة المطابقة على ذات الله تعالى وعلى صفة التوبة.

ويدل بالتضمن على الذات منفردة، وعلى صفة التوبة منفردة.

ويدل بدلالة الالتزام علة عدة صفات كالرحمة والمغفرة واللطف والكرم والرأفة والعلم والحكمة، وغيرها.


شرح الاسم

في اللغة:

قال ابن فارس: (توب) التاء والواو والباء كلمة واحدة تدل على الرجوع. يقال تاب من ذنبه، أي رجع عنه يتوب إلى الله توبة ومتابا، فهو تائب. مقاييس اللغة (1/ 357)

ومعنى التوبة في حق الله تعالى:

قال الزجاج: "أي يقبل رجوع عبده إليه". تفسير أسماء الله الحسنى - الزجاج (ص: 62)

وقال الحليمي: "وهو المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى طاعته وندم على معصيته, فلا يحبط ما قدم من خير ولا يمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان.

قال أبو سليمان الخطابي: "التواب هو الذي يتوب على عباده فيقبل توبتهم كلما تكررت التوبة تكرر القبول، يقال: تاب الله على العبد: بمعنى وفقه للتوبة" شأن الدعاء (1/ 90)

قال الطبري: "أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه، وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربه: إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيما مما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويتوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه". تفسير الطبري (1/ 587)

قال السعدي رحمه الله: "التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين فكل من تاب إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه

وتوبته على عبده نوعان:

أحدهما: أنه يوقع في قلب عبده التوبة إليه، والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، واستبدالها بعمل صالح.

والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها، ومحو الذنوب بها فإن التوبة النصوح تجب ما قبلها" تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 25)


المقتضى اللازم

إن المقتضى اللازم لاسم الله تعالى التواب أن الله تعالى متصف بصفة التوبة، فهو يوفق عبده إلى التوبة، ويتقبلها منه، فيبدل سيئاته حسنات، ويتجاوز عن تقصيره وإسرافه، قال ابن القيم رحمه الله: "وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من ربه، سابقة ولاحقة، فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما، فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيا، قبولا وإثابة، قال الله سبحانه وتعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم - وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 117 - 118] فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببا مقتضيا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله تعالى عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته.

ونظير هذا هدايته لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته، فتوجب له تلك الهداية هداية أخرى يثيبه الله بها هداية على هدايته، فإن من ثواب الهدى الهدى بعده، كما أن من عقوبة الضلالة الضلالة بعدها، قال الله تعالى {والذين اهتدوا زادهم هدى} [محمد: 17] فهداهم أولا فاهتدوا، فزادهم هدى ثانيا، وعكسه في أهل الزيغ كقوله تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم على زيغهم".

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 319،320)


المقتضى المتعدي

قال ابن القيم رحمه الله: "إذا عرف هذا، فمن أسمائه سبحانه الغفار، التواب، العفو فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات، ولا بد من جناية تغفر، وتوبة تقبل، وجرائم يعفى عنها، ولا بد لاسمه الحكيم من متعلق يظهر فيه حكمه، إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم الخالق، الرازق، المعطي، المانع للمخلوق والمرزوق والمعطى والممنوع، وهذه الأسماء كلها حسنى". مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 419)

وقال رحمه الله: "قال صاحب المنازل: ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء، أولها: أن ينظر الجناية والقضية، فيعرف مراد الله فيها، إذ خلاك وإتيانها، فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين:

أحدهما: أن يعرف عزته في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته.

الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله، فيعاقبه على ذنبه بحجته.

اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور:

أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه، فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة، والإقرار على نفسه بالذنب.

الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيحدث له ذلك خوفا وخشية، تحمله على التوبة.

الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها، وتخليته بينه وبينها، وتقديرها عليه، وأنه لو شاء لعصمه منها، فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وحكمته، ورحمته، ومغفرته وعفوه، وحلمه وكرمه، وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء، لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر، والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات، وأثرها في الوجود، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه، متعلق به لا بد منه.

وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان، وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم.

فمن بعضها: ما ذكره الشيخ أن يعرف العبد عزته في قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء، وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه، بأن قلب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه، وجعله مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم، وهذا من كمال العزة، إذ لا يقدر على ذلك إلا الله، وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك وظاهرك، وأما جعلك مريدا شائيا لما يشاؤه منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة.

فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه، وتمكن شهوده منه، كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له، لأنه يصير مع الله لا مع نفسه.

ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبر مقهور، ناصيته بيد غيره، لا عصمة له إلا بعصمته، ولا توفيق له إلا بمعونته، فهو ذليل حقير، في قبضة عزيز حميد.

ومن شهود عزته أيضا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد، والغناء التام، والعزة كلها لله، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم، والعيب والظلم والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره، ازداد شهوده لعزة الله وكماله، وحمده وغناه، وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة.

ومنها: أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية، فإذا شهد جريان الحكم، وجعله فاعلا لما هو غير مختار له، مريد بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنه مختار غير مختار، مريد غير مريد، شاء غير شاء، فهذا يشهد عزة الله وعظمته، وكمال قدرته.

ومنها: أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه: البر، وهذا البر من سيده كان عن به كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى.

ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا، بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.

ومنها: شهود حلم الله سبحانه وتعالى في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفة ربه سبحانه باسمه الحليم، ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم، والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد، وأنفع من فوتها، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.

ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار، لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده، والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.

ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه، كان عادلا محمودا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك أيضا شكرا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحا وابتهاجا به، ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة.

ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه".

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 320 -322)


الأثر المترتب على الإيمان بالاسم

1. إثبات ما تضمنه اسم الله تعالى التواب من معان وصفات.

2. توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهو سبحانه المتفرد بالتوبة على عبده بمغفرة ذنبه، وهدايته للتوبة، فهو المستحق أن يعبد وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، كما أن اتصافه سبحانه بالتوبة على عبده دل على أنه هو الحليم البر الرؤوف الرحيم.

3. محبة الله تعالى، فهو سبحانه الذي يتفضل ويتكرم على المسيئين بالتوبة، والمسرفين بالمغفرة، بل يبدل سيئات التائب إلى حسنات، ويفرح بتوبة عبده إليه، ويستر ذنبه، ويمهله ولا يعاجله بالعقوبة، وهو من كرم الله تعالى وحلمه ومغفرته.

4. استشعار العبد لحاجته للتوبة في كل وقت، وتوفيق الله تعالى له إليها، لكثرة ذنوب العبد وخطيئاته، وكل ابن آدم خطاء، بل التوبة واجبة فيحق العبد، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، وقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، قال ابن القيم رحمه الله: "ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية". مدارج السالكين (1/ 178)

5. المبادرة إلى التوبة وعدم تأخيرها والتسويف فيها، قال ابن القيم رحمه الله: "أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها فمتى أخرها عصى بالتأخير فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى وهي توبته من تأخير التوبة وقل أن تخطر هذه ببال التائب بل عنده: أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم فإنه عاص بترك العلم والعمل فالمعصية في حقه أشد". مدارج السالكين (1/ 272)

6. تكرار التوبة عند كل ذنب، وعدم اليأس والقنوط من مغفرة الله تعالى وتوبته على عبده، قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

7. التوبة الصادقة لله تعالى تتضمن الندم على ما فات والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه، وإن كان الذنب متضمن لحق آدمي فيشترط رد المظالم لأهلها أو التحلل منهم.

8. هجر أهل الذنوب والمعاصي الذين يمنعون العبد من التوبة، ومجالسة الصالحين، عن أبي سعيد الخدري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء" صحيح البخاري (4/ 174) رقم (3470)، صحيح مسلم (4/ 2118) رقم (2766).

9. الهرع إلى الله تعالى والتضرع إليه واللجوء يه عند نزول الكوارث وحلول المصائب، فإن من أعظم حكمها أن يعود العباد إلى ربهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون} [الأنعام: 42 - 44]

10. عدم تعيير التائبين من المعاصي والذنوب والتقصير في حق الله تعالى، فإن الله تعالى يتجاوز عن التائبين، فلا يجوز أن نعيبهم بماضيهم بعد توبتهم.

11. الدعاء باسم الله تعالى التواب، والتوسل به، وتعبيد الأسماء له، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128]


Loading...