الحكيم - الحَكَم
الحكيم - الحَكَم |
|
|---|---|
| الاسم | الحكيم - الحَكَم |
| نوع الاسم | الأسماء المطلقة |
| معلومات إضافية عن الاسم | الفرق بين الحكم والحاكم أن الحكم أبلغ من الحاكم، إذ أن الحَكَم لا يطلق معرفًا مطلقًا إلا على الله تعالى، بينما الحاكم يطلق على المخلوق، كذلك لا يستحق التسمية بالحَكَم إلا من كان يحكم بالحق؛ بينما الحاكم قد يتسمى به من يحكم بالحق ومن يحكم بغيره؛ لذا قيد الله في القرآن اسمه الحاكم بالخيرية، فقال: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}. اقتران اسم الله -الحكيم- بأسماء الله تعالى الأخرى أولا: جاء مقترنا مع العزيز، وهذا يفيد معنى كمال زائد على الكمالين في الاسمين، فحكمته سبحانه وحكمه مقترن بالعزة، فلا يعتريها ذلك، كما أن عزته سبحانه مقترنة بالحكمة فلا تتضمن ظلمًا أو جورًا. ودائما يتقدم اسم الله تعالى العزيز على الحكيم، قال ابن القيم رحمه الله مبينا وجه ذلك: "فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها فتقدم وصف القدرة لأن متعلقة أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة وجه ثان أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني ووجه ثالث: أن الحكمة غاية الفعل فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها فالقدرة تتعلق بإيجاده والحكمة تتعلق بغايته فقدم الوسيلة على الغاية لأنها أسبق في الترتيب الخارجي". بدائع الفوائد (2/ 109) ثاني: جاء مقترنا مع الخبير: وهذا يفيد كمال الإرادة وأنها تكون لحكمة بالغة، وكمال العلم وأنه شامل لبواطن الأمور كما هو شامل لظواهرها، قال ابن القيم رحمه الله: "الحكيم الخبير الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم فالمراد ظاهر والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها" بدائع الفوائد (2/ 131) ثالثا: جاء مقترنا مع العلي: فحكمته وحكمه سبحانه معهما علو قدر وقهر وعز، ولا يصحبهما ذل، كما أن علوه سبحانه لا يقتضي ظلما ولا جورًا بل مقترن بحمته العظيمة. رابعا: جاء مقترنا مع التواب: وقد تقدم بيانه في اسم الله التواب. خامسا: جاء مقترنا مع الحميد: فهو سبحانه يحمد على كمال حكمته، وحكمته تستلزم حمده والثناء عليه. سادسا: جاء مقترنا مع الواسع: وهذا يفيد أن الله تعالى واسع الفضل والعطاء، وأن ذلك مقترن بحمته البالغة، فيعطي ويمنع وفقا لحكمته. سابعا: جاء مقترنا مع العليم: وهذا يفيد أن حكمه سبحانه يكون عن علم وحمة بالغة، قال ابن القيم رحمه الله: "فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين ولهذا يقرن سبحانه بينهما عند ذكر إنزال كتابه وعند ذكر ملكه وربوبيته إذ هما مصدر الخلق والأمر ولما كان سبحانه كاملا في جميع أوصافه ومن أجلها حكمته كانت عامة التعلق بكل مقدور كما أن علمه عام التعلق بكل معلوم ومشيئته عامة التعلق بكل موجود وسمعه وبصره عام التعلق بكل مسموع ومرئي فهذا من لوازم صفاته فلا بد أن تكون حكمته عامة التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ونهى عنه وهذا أمر ذاتي للصفة يمتنع تخلفه وانفكاكه عنها كما يمتنع تخلف الصفة نفسها وانفكاكها عنه" الصواعق المرسلة (4/ 1565)، وقال رحمه الله: "فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة". الرسالة التبوكية (ص: 70). فائدة: قال ابن القيم رحمه الله: "والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال فالعلم يتضمن الحياة و لوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والاحسان والجود والبر ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها". الرسالة التبوكية (ص: 69). |
| الأدلة على الاسم من القرآن | |
|
|
| الأدلة على الاسم من السنة | |
|
|
| صيغة أخرى من الاسم | |
|
|
|
| سرد الأسماء ذات صلة | |
|
|
| القائلون بثبوته | |
|
|
| الصفة التي اشتق منها الاسم (المصدر) | الحكمة - الحكم |
| نوع الصفة | صفة ذاتية |
| معلومات إضافية عن الصفة | |
| الأدلة على ثبوت الصفة من القرآن | |
|
|
| الأدلة على ثبوت الصفة من السنة | |
|
|
|
| الحكم | |
| الأدلة على الفعل من القرآن | |
|
|
| الأدلة على الفعل من السنة | |
|
|
|
| دلالات الاسم | يدل اسم الله تعالى الحكيم والحكم بدلالة المطابقة على ذات الله تعالى وعلى صفتي الحكمة والحكم. ويدلان بدلالة التضمن على الذات منفردة، وعلى صفتي الحكمة والحكم منفردتان. ويدلان بدلالة الالتزام على صفات كثيرة كالوجود والعلم والإرادة والقدرة والكمال وغير ذلك. |
| شرح الاسم | قال ابن فارس: "(حكم) الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع. وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم. وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال حكمت الدابة وأحكمتها. ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه. قال جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا والحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل. وتقول: حكمت فلانا تحكيما منعته عما يريد. وحكم فلان في كذا، إذا جعل أمره إليه. والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة". مقاييس اللغة (2/ 91) معنى الاسم في حق الله تعالى: قال ابن الأثير: "فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل. وقيل: الحكيم: ذو الحكمة. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم". النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 419). قال الخطابي: "ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، الحكيم: هو المحكم لخلق الأشياء". شأن الدعاء (1/ 73) قال الطبري: "الحكيم"، يعني: ذي الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل، و"الحكيم" الذي قد كمل في حكمه. وقد قيل، إن معنى الحكيم: الحاكم، كما أن العليم بمعنى العالم". تفسير الطبري (6/ 467) (1/ 496) قال القرطبي: و"الحكيم" معناه الحاكم، وبينهما مزيد المبالغة. وقيل معناه المحكم، وقال قوم: (الحكيم) المانع من الفساد". تفسير القرطبي (1/ 287) وقال: "(الحكيم) ذو الحكمة أو المحكم". تفسير القرطبي (4/ 8) قال الزجاجي: "الحكيم: الذي أفعاله محكمة متقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ومنه قيل: «بناء محكم» أي قد أتقن وأحكم، فالله عز وجل حكيم كما وصف نفسه بذلك، لإتقان أفعاله واتساقها وانتظامها وتعلق بعضها ببعض". اشتقاق أسماء الله (ص: 60) وقال ابن القيم رحمه الله في نونيته: وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضا ما هما عدمان حكم وإحكام فكل منهما ... نوعان أيضا ثابتا البرهان والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وما هما سيان بل ذاك يوجد دون هذا مفردا ... والعكس أيضا ثم يجتمعان لكن يخلو المربوب من إحداهما ... أو منهما بل ليس ينتفيان لكنما الشرعي محبوب له ... أبدا ولن يخلو من الأكوان هو أمره الديني الذي جاءت رسله ... بقيامه في سائر الأزمان لكنما الكوني فهو قضاؤه ... في خلقه بالعدل والإحسان هو كله حق وعدل ذو رضى ... والشأن في المقضي كل الشان فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط الـ ... ـمقضيّ حين يكون بالعصيان فالله يرضى بالقضاء ويسخط الـ ... ـمقضي ما الأمران متحدان فقضاؤه صفة به قامت وما ... المقضي إلا صنعة الرحمن والكون محبوب ومبغوض له ... وكلاهما بمشيئة الرحمن هذا البيان يزيل لبسا طالما ... هلكت عليه الناس كل زمان ويحل ما قد عقدوا بأصولهم ... وبحوثهم فافهمه فهم بيان من وافق الكوني وافق سخطه ... إن لم يوافق طاعة الديان فلذاك لا يعدوه ذم أو فوا ... ت الحمد مع أجر ومع رضوان وموافق الديني لا يعدوه أجـ ... ـر بل له عند الصواب اثنان قال السعدي: "الحكيم هو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره الذي أحسن كل شيء خلقه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، فلا يخلق شيئاً عبثا، ولا يشرع شيئاً سدى، الذي له الحكم في الأولى، والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه. والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها. والحكيم: الموصوف بكمال الحكمة، وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم، والاطلاع على مبادئ الأمور، وعواقبها، واسع الحمد تام القدرة غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه، وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال". تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي (ص: 186) وعلى هذا يتضح أن اسمي الله تعالى الحكيم والحكم له ثلاث معان: الأول: من له كمال الحكمة في أفعاله كلها. الثاني: من له الحكم الكوني والشرعي بين العباد. الثالث: ذو الإحكام والإتقان لخلقه وشرعه. |
| المقتضى اللازم | إن مقتضى اسم الله تعالى الحكيم – الحكم، اللازم هو أن الله تعالى متصف بصفتي الحكمة والحكم، وصفا ذاتيا لازما، وأن حكمته وحكمه لم يسبقان بعدم، ولا يتطرق إليهما نقص أو خلل، ولا يلحقهما فناء ولا عدم. قال ابن القيم رحمه الله: والحكمة العليا على نوعين أيـ ... ـضا حصلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضا ليس يفترقان أحكام هذا الخلق إذ إيجاده ... في غاية الإحكام والإتقان وصدوره من أجل غايات له ... وله عليها حمد كل لسان والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضا وفيها ذانك الوصفان غاياتها اللائي حمدن وكونها ... في غاية الإتقان والإحسان قال السعدي رحمه الله: "وحكمته نوعان: أحدهما: الحكمة في خلقه فإنه خلق الخلق بالحق، ومشتملاً على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللاً، ولا نقصاً، ولا فطوراً، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن، والانتظام، والإتقان لم يقدروا، وأنى لهم القدرة على شيء من ذلك وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيراً من حكمه، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن، والإتقان. وهذا أمر معلوم قطعاً بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق، والأمر. وقد تحدى عباده، وأمرهم أن ينظروا، ويكرروا النظر، والتأمل هل يجدون في خلقه خللاً أو نقصاً، وأنه لابد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته. النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، فأي حكمة أجل من هذا، وأي فضل، وكرم أعظم من هذا، فإن معرفته تعالى، وعبادته وحده لا شريك له، واخلاص العمل له وحده، وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق. وأجل الفضائل لمن منَّ الله عليه بها، وأكمل سعادة، وسروراً للقلوب، والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية، والنعيم الدائم. فلو لم يكن في أمره، وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة، وحق الجزاء، وخلقت الجنة، والنار، لكانت كافية شافية". تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي (ص: 187). وقال ابن القيم رحمه الله: "بل الأحكام ثلاثة: حكم شرعي ديني: فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة بل بالانقياد المحض وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذا وعملا فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات بل اندرج خلاقه تحت الأمر واضمحل خوضه في معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له وعلما بأمر وإرادة لمرضاته فهذا حق الحكم الديني. الحكم الثاني الحكم الكوني القدري: الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة بل ينازع بالحكم الكوني أيضا فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر اه، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر بن الخطاب وقد عوتب على فراه من الطاعون فقيل له أتفر من قدر الله فقال نفر من قدر الله إلى قدره، ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس فقد دفع قدر الله بقدره وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفىء قدر الله بقدر الله وما خرج في ذلك عن قدر الله وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك فيكون قد دفع القدر بالقدر ونازع الحكم بالحكم وبهذا أمر هذا حقيقة الشرع والقدر ومن لم يستبصر فيه هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه ولو أن عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله وهو الجهاد باليد أو المال في العبودية اللهم إلا إذا بذل العبد جهده في المدافعة والمنازعة وخرج الأمر عن يده فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه وعدله في قضائه وحكمته في جريانه عليه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وإن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى فله عليه أكمل حمد وأتمه كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره". طريق الهجرتين (ص: 66). |
| المقتضى المتعدي | إن المقتضى المتعدي لاسم الله تعالى الحكيم والحكم، إنه سبحانه أحكم خلقه وأبدعه على أحسن خلق وتقويم، وأنه سبحانه له الحكم المطلق، قال ابن القيم رحمه الله: "ومن نظر في هذا العالم وتأمله حق تأمل وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والمنافع مخزونة كالذخائر، كل شيء منها لأمر يصلح له، والإنسان المخول فيه، وضروب النبات مهيئات لمآربه، وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه، فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط، ومنها ما هو لمركوب والحملة فقط، ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله بالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء، ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين، وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها صافات وقابضات، وغاديات ورائحات، ومقيمات وظاعنات، أعظم عبرة وأعظم دلالة على حكمة الخلاق العليم، وكل ما أخذه الناس وأدركوه بالأفكار الطويلة والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة، ومستنبطة من الصنع الإلهي. مثال ذلك أن القبان مستنبط من خلقه البعير، فإنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به ويمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك، وجعلوا طول حديدته في مقابلة طول العنق، ورمان القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه، كذلك استنبطوا بناء الأقبية من ظهره، فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمل غيره فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو، فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمل السطح، وكذلك ما استنبطه الحذاق لكل من كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة خضراء مملوءة ماء استنباطا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء، فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر، فجعل أديمها بهذا اللون ليمسك الأبصار ولا ينكأ فيها بطول مباشرته لها، وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم، فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف يكون حال الحيوان لو أمسكت عنه وجعل الليل عليه سرمدا والدنيا مظلمة عليه؟ فبأي نور كانوا يتصرفون؟ وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم، فالحكم في طلوعها أعظم من أن تختفي أو تحصى، ولكن تأمل الحكمة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار، مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة، وأيضا لو دامت على الأرض لاشتد حرها بدوام طلوعها عليها، فاحترق كل ما عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقت دون وقت، بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا مأربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا، وصار ضياء النهار وحرارته، وظلام الليل وبرده، على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه. ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الفصول الأربعة من السنة، وما فيها من قيام الحيوان والنبات، ففي زمن الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيها مواد النار ويغلظ الهواء بسبب الرد فيصير مادة للسحاب، فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فتنشره قزعا ثم يرسل عليه المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير طبقا واحدا، ثم يرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء فتلقحه كما يلقح الذكر الأنثى فيحمل الماء من وقته، فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما على الأرض وما أصابه ويقل الانتفاع به، فإذا أسقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منه أرسل عليه الرياح السائقة فتسوقه وتزجيه إلى قوم آخرين، وأرض أخرى محتاجة إليه، فإذا جاء الربيع تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج كريم، فإذا جاء الصيف سخن الهواء وتحللت فضلات الأبدان، فإذا جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور، وبرد الهواء واعتدل وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر. واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل الشمس والقمر في البروج وقدر لهما المنازل ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور والأعوام، فتتم بذلك مصالحهم وتعلم بذلك آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم ومدد أعمارهم، وغير ذلك من مصالح حسابهم، فالزمن مقدار الحركة ألا ترى أن السنة الشمسية مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، واليوم مقدار مسيرها من المشرق إلى المغرب، وتحرك الشمس والقمر لكمال الزمان من يوم خلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما، ويرى عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه، قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} [يونس: 5] ، وقال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا} [الإسراء: 12] . واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت بين مقادير الليل والنهار ولم يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه وأقصر، بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة، حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدا لا يتكون فيه حيوان ونبات، كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس أو لا تغرب عنه، فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر، أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار في الليل والنهار. ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها، فلا يمكن فيها شيء من العمل، وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه، فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك، فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال، وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور ليسد مسد القمر إذا لم يكن، وجعلت زينة السماء معالم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ودلالات واضحات على الخلاق العليم، وغير ذلك من الحكم التي بها انتظام هذا العالم، وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكم المقصودة منها، وجعل القمر يقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكم المقصودة من جعله كذلك، وإن كان نوره من التبريد والتصلب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، فتنضم المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد. ثم تأمل اللطف والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارات ومنازلها تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها، لأنها لو ظهرت دائما أو اختفت دائما لفاتت الحكمة المطلوبة منها، كما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها، فلا تظهر كلها دفعة واحدة، ولا تحتجب دفعة واحدة، بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة، وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر، فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا. ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها، ففرقة منها لا تريم مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد، وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج وتتفرق في مسيرها، وكل واحد منها يسير سيرين مختلفين، أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، وذلك من أعظم الدلالات على الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وحكمته. وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل نظامه، بل هو تقدير العزيز العليم، كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه، قال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وتأمل الحكمة في تعاقب الحر والبرد على هذا العالم وتعاورهما عليهما في الزيادة والنقصان والاعتدال، وما فيهما من المصالح والحكم للأبدان والشجر والحيوان والنبات، ولولا تعاقبهما لفسدت الأبدان والأشجار وانتكست. ثم تأمل دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل، فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شيء، والآخر يزيد مثل ذلك، حتى ينتهي كل واحد منتهاه في الزيادة والنقصان، ولو دخل أحدهما على الآخر فجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها، كما لو خرج الرجل من مكان شديد الحر إلى مكان مفرط في البرد وهلة، فإن ذلك يضر به جدا، ولولا الحر لما نضجت هذه الثمار المرة العفنة القاسية، ولا كانت تلين وتطيب وتحسن وتصلح لأن يتفكه بها الناس رطبة ويابسة. وتأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه، فإنها لو كانت ظاهرة كالماء والهواء لكانت محرقة للعالم وما فيه، ولو كانت كامنة لا سبيل إلى ظهورها لفاتت المصلحة المطلوبة منها، فاقتضت الحكمة أن جعلت كامنة قابلة للظهور عند الحاجة إليها ولبطلانها عند الاستغناء عنها، فجعلت مخزونة في محلها تخرج عند الحاجة، وتمسك بالمادة من الحطب وغيره ما احتيج إلى بقائها، تخبأ إذا استغني عنها، وخلقت على وضع وتقدير اجتمع فيه الانتفاع بها والسلامة من ضررها، قال الله تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون - أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون - نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 71 - 73]". مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 226) |
| الأثر المترتب على الإيمان بالاسم | 1. الإيمان بمقتضى وما دل عليه الاسمين من معاني وصفات. 2. إفراد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهو سبحانه المتصف بالحكمة البالغة، والمحكم لخلقه والمتقن له، فهو المستحق أن يعبد وحده لا شريك له، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون} [يوسف: 40]، وقال سبحانه: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، قال السعدي رحمه الله: "الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، فأي حكمة أجل من هذا، وأي فضل، وكرم أعظم من هذا، فإن معرفته تعالى، وعبادته وحده لا شريك له، واخلاص العمل له وحده، وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق. 3. وأجل الفضائل لمن منَّ الله عليه بها، وأكمل سعادة، وسروراً للقلوب، والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية، والنعيم الدائم. 4. فلو لم يكن في أمره، وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة، وحق الجزاء، وخلقت الجنة، والنار، لكانت كافية شافية". تفسير أسماء الله الحسنى - السعدي (ص: 35) 5. الحكم في الدارين شرعيا كان أو قدريا هو لله تعالى، قال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] 6. السعي في تحقيق الغاية العظيمة التي خلق من أجلها الجن والإنس، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56، 57]، وهي الحكمة العظيمة التي خلقوا من أجلها، وتأبى حكمة الله أن يخلق عباده هملا وسدى، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 115، 116]. 7. تعظيم الله تعالى ومحبته، على إتقانه لخلقه وإحسانه فيهم، وعلى إحكامه شرعه ودينه، وعلى حكمته البالغة في أفعاله، وذلك بالتفكر والتدبر، قال السعدي رحمه الله: "وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيراً من حكمه، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن، والإتقان، وهذا أمر معلوم قطعاً بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق، والأمر". تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 35). 8. التأمل في خلق الله تعالى، وإحكام المخلوقات، ونظامها البديع، التي تدل على عظمة خالقها ومدبرها، ومما ينكر على الإلحاد وأهله، قال السعدي رحمه الله: "وقد تحدى عباده، وأمرهم أن ينظروا، ويكرروا النظر، والتأمل هل يجدون في خلقه خللاً أو نقصاً، وأنه لابد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته". تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 35)، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 3، 4]، قال ابن القيم رحمه الله: "فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها، ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أنسب لها من غيره، وأبرزها في أوقاتها المناسبة لها، ومن له نظر صحيح وأعطى التأمل حقه شهد ذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده على ما خفي عنه، وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]". مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 226) 9. الرضا التام والتسليم لشرع الله تعالى؛ إذ هو تشريع محكم متقن من حكيم عليم، قال السعدي رحمه الله: "هذا وقد اشتمل شرعه، ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علماً، ويقيناً، وإيماناً، وعقائد صحيحة، وتستقيم بها القلوب، ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل، وعمل صالح، وهدى، ورشد، وأوامره، ونواهيه محتوية على عناية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهي إلا عما مضرته خالصة أو راجحة. ومن حكمة الشرع الإسلامي أنه كما أنه هو الغاية لصلاح القلوب، والأخلاق، والأعمال، والاستقامة على الصراط المستقيم، فهو الغاية لصلاح الدنيا، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحاً حقيقياً إلا بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مشاهد محسوس لكل عاقل، فإن أمة محمد لما كانوا قائمين بهذا الدين أصوله، وفروعه، وجميع ما يهدي، ويرشد إليه كانت أحوالهم في غاية الاستقامة، والصلاح، ولما انحرفوا عنه، وتركوا كثيراً من هداه، ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم، وكذلك انظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة، والحضارة، والمدنية مبلغاً هائلاً، ولكن لما كانت خالية من روح الدين، ورحمته، وعدله كان ضررها أعظم من نفعها، وشرها أكبر من خيرها، وعجز علماؤها، وحكماؤها، وساساتها عن تلافي الشرور الناشئة عنها، ولن يقدروا على ذلك ماداموا على حالهم، ولهذا كان من حكمته تعالى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين، والقرآن أكبر البراهين على صدقه، وصدق ما جاء به لكونه محكماً كاملاً لا يحصل إلا به، وبالجملة، فالحكيم متعلقاته المخلوقات، والشرائع، وكلها في غاية الإحكام، فهو الحكيم في أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية، والفرق بين أحكام القدر، وأحكام الشرع أن القدر متعلق بما أوجده، وكونه وقدره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن". تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 36) 10. تحكيم شرع الله تعالى، والرضا به، وعدم استبداله بالقوانين الوضعية، والأفكار البشرية، فالله تعالى هو الحَكم، والحكم كله له، قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. 11. رد التنازع إلى الله تعالى ورسوله، وذلك يكون برد التنازع في كل شيء إلى القرآن والسنة النبوية، إذا أن الله تعالى هو الحَكم، وشرعه المحكم المتقن، قال تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109]، وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]. 12. تدبر كتاب الله تعالى والعمل به لأنه حكيم، فهو كلام الحكيم، وكما وصفه به الحكيم سبحانه، قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1]، وقال سبحانه: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 2]، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] 13. الرضا بقدر الله تعالى والصبر على أقداره المؤلمة، فالله تعالى حكيم في أقداره، وله الحكمة البالغة في تقديره وتدبيره وأفعاله، قال ابن القيم رحمه الله: "وله سبحانه الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر، وطاعة ومعصية، وحكمة بالغة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها، وتكل الألسن عن التعبير عنها". مدارج السالكين (1/ 407). 14. طلب الحكمة –وهي الإصابة في القول والعمل-، فالله تعالى يعطي الحكم من يشاء من عباده، قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269]. 15. عدم مشروعية التسمي بالحَكَم معرفا مطلقًا، أو التكني بأبي الحكم، لأن الحَكَم هو الله تعالى. 16. دعاء الله تعالى باسمه الحكيم واسمه الحكم، والتوسل إليه بهما، والتعبيد لهما. |