الرحمن - الرحيم
الرحمن - الرحيم |
|
|---|---|
| الاسم | الرحمن - الرحيم |
| نوع الاسم | الأسماء المطلقة المضافة |
| معلومات إضافية عن الاسم | أولا: الفرق بين الاسمين (الرحمن والرحيم): محصل أقوال أهل العلم في التفريق بينهما ما يأتي: الأول: أنهما بمعنى واحد. الثاني: أن الرحمن دال على الصفة الذاتية، وأم الرحيم فيدل على الصفة الفعلية. الثالث: أن الرحمن دال على رحمته العامة والشاملة، وأما الرحيم فدال على رحمته الخاصة بالمؤمنين من عباده. الرابع: جواز التسمي بالرحيم، وعدم جواز التسمي بالرحمن فهو خاص بالله تعالى. ومن أقوال أهل العلم في ذلك: قال البغوي رحمه الله: "واختلفوا فيهما، منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم، ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين، وقال المبرد: هو إنعام بعد إنعام وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق بينهما فقال: للرحمن معنى العموم، وللرحيم معنى الخصوص، فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا، وهو على العموم لكافة الخلق، والرحيم بمعنى العافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص. ولذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص، ولذلك يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير الله رحمانا، فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، والرحمة إرادة الله الخير لأهله، وقيل: هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل". تفسير البغوي (1/ 71) قال ابن الأثير: "في أسماء الله تعالى «الرحمن الرحيم» وهما اسمان مشتقان من الرحمة، مثل ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، ورحمان أبلغ من رحيم. والرحمن خاص لله لا يسمى به غيره، ولا يوصف، والرحيم يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال رحمن". النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 210) وقال الزجاج: "وقد قالوا رحمان اليمامة وإنما قيل له ذلك على جهة الاستهزاء به والتهكم فأما الفائدة في إعادة هاتين اللفظتين مع الاشتقاق واللفظ واحد فهي لما ذكرناه من تزايد معنى فعلان في رحمان وعمومه في الخلق كلهم ألا ترى أن بناء فعلان إنما هو لمبالغة الوصف، يقال فلان غضبان وإناء ملآن وإنما هو للممتلئ غضبا وماء فلهذا حسن الجمع بينهما، وفيه وجه آخر وهو أنه إنما حسن ذلك لما في التأكيد من التكرير". تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 29) قال ابن القيم رحمه الله: "وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ولم يجيء قط رحمن بهم فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها". بدائع الفوائد (1/ 24) وقال رحمه الله: "ولما كان هذا الاسم مختصا به تعالى حسن مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم الله كذلك وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله تعالى فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجيء قط تابعا لغيره بل متبوعا وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعا". بدائع الفوائد (1/ 24) قال ابن كثير رحمه الله: "والحاصل: أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص". تفسير ابن كثير (1/ 126) ثانيا: جاء الاسمين الرحمن والرحيم مقترنان مع أسماء الله تعالى الأخرى: 1. اقتران الاسمين مع بعضهما: وهذا يفيد كمال اتصاف الله تعالى بصفة الرحمة، إذ يفيد اقتران الاسمين الدلالة على رحمته التي هي صفته الذاتية، وعلى رحمته الواصلة لعباده، التي هي صفته الفعلية، وبين رحمته العامة، ورحمته الخاصة. 2. اقترانهما باسمه تعالى الرب: تقدم بيانه عند اسمه تعالى الرب 3. اقتران الرحيم مع الغفور: وهذا يفيد أن من أعظم مقتضيات رحمته سبحانه مغفرته الذنوب لعباده. 4. اقتران الرحيم مع التواب: تقدم بيانه عند اسمه تعالى التواب. 5. اقتران الرحيم مع الرؤوف: تقدم ذكر ذلك عند اسمه تعالى الرؤوف. 6. اقتران الرحيم مع العزيز: وهذا يفيد أن رحمته سبحانه مقترنة بعزته، لا ذل فيها ولا خضوع، كما أن عزته سبحانه تتضمن رحمته فلا ظلم فيها ولا بطش، وهذا يفيد أيضا الترغيب في رحمته والترهيب من غضبه. 7. اقتران الرحيم مع البر: تقدم ذكره عند اسم الله تعالى البر. 8. اقتران الرحيم مع الودود: وهذا يفيد كمال رحمة الله تعالى لاقترانها مع الحب والود، فاقتران الأمرين يدلان على عظمة رحمة الله تعلا بعبده، وأنه لمحبته له رحمه، ولرحمته به أحبه. |
| الأدلة على الاسم من القرآن | |
|
|
| الأدلة على الاسم من السنة | |
|
|
| صيغة أخرى من الاسم | |
|
|
| سرد الأسماء ذات صلة | |
|
|
|
| القائلون بثبوته | |
|
|
| الصفة التي اشتق منها الاسم (المصدر) | الرحمة |
| نوع الصفة | ذاتية فعلية |
| معلومات إضافية عن الصفة | الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: النوع الأول: رحمة هي صفة ذاتية له سبحانه، يتصف بها على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي غير مخلوقة، تثبت لله تعالى من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه. النوع الثاني: رحمة مخلوقة: وهي كالرحمة التي أنزلها الله للخلق يتراحمون بها وهي جزء من مائة جزء، ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي". صحيح البخاري (6/ 138) رقم (4850)، صحيح مسلم (4/ 2186) رقم (2846). الرحمة التي هي صفة لله تعالى نوعان: النوع الأول: رحمة عامة لجميع الخلائق، برهم وفاجرهم، الحي والجماد والحيوان، تقتضي إقامة معايشهم وحياتهم. النوع الثاني: رحمة خاصة بعباده المؤمنين، وهذه تقتضي الهداية والتوفيق والسعادة في الدارين. |
| الأدلة على ثبوت الصفة من القرآن | |
|
|
| الأدلة على ثبوت الصفة من السنة | |
|
|
| الحكم | |
| الأدلة على الفعل من القرآن | |
|
|
| الأدلة على الفعل من السنة | |
|
|
| دلالات الاسم | يدل اسم الله تعالى الرحيم بدلالة المطابقة على ذات الله تعالى وصفة الرحمة. ويدل بدلالة التضمن على الذات منفردة، ويدل على صفة الرحمة منفردة. ويدل بدلالة الالتزام على صفات عديدة كحياة والعلم والقدرة والغنى والحكمة والمغفرة وغيرها من الصفات. |
| شرح الاسم | قال ابن فارس: "(رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه. والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى". معنى الاسم في حق الله تعالى: قال الزجاج: "فأما الرحمن والرحيم فهما اسمان رقيقان [أي لطيفان] وأحدهما أرق من الآخر، الرحمن يختص بالله سبحانه وتعالى ولا يجوز إطلاقه في غيره، وقال بعض أهل التفسير الرحمن الذي رحم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم، والرحيم خاص في رحمته لعباده المؤمنين بأن هداهم إلى الإيمان وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع". تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 29) قال الخطابي: "الرحمن الرحيم: اختلف الناس في تفسير: الرحمن، ومعناه، وهل هو مشتق من الرحمة، أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير مشتق، واحتج بأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده. كما يقال: رحيم بعباده، فلما لم يستقم صلته بذكر المرحوم، دل على أنه غير مشتق من الرحمة، وقال: لو كان هذا الاسم مشتقا من الرحمة، لم تنكره العرب حين سمعوه! إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد حكى الله عنهم الإنكار له والنفور عنه في قوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن. قالوا: وما الرحمن) الآية [الفرقان/ 60]. وزعم بعضهم: أنه اسم عبراني وذهب الجمهور من الناس إلى أنه اسم مشتق من الرحمة مبني على المبالغة. ومعناه: ذو الرحمة. الذي لا نظير له فيها، ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع. وبناء فعلان في كلامهم بناء المبالغة، يقال لشديد الامتلاء: ملآن، ولشديد الشبع: شبعان. ويدل على صحة مذهب الاشتقاق في هذا الاسم. ويقال: إن الرحمن خاص في التسمية، عام في المعنى، والرحيم: عام في التسمية، خاص في المعنى" شأن الدعاء (1/ 35) وقال البيهقي: "عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الرحمن وهو الرقيق, الرحيم, وهو العاطف على خلقه بالرزق, وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر". الأسماء والصفات للبيهقي (1/ 139). وقال السعدي: "الرحمن الرحيم: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل مخلوق، وكتب الرحمة الكاملة للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة المتصلة بالسعادة الأبدية، ومن عداهم محروم من هذه الرحمة الكاملة، لأنه الذي دفع هذه الرحمة وأباها بتكذيبه للخبر وتوليه عن الأمر فلا يلومن إلا نفسه". تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي (ص: 200) |
| المقتضى اللازم | إن المقتضى اللازم لاسم الله تعالى الرحيم أنه سبحانه متصف بصفة الرحمة صفة ذاتية كما يليق بجلاله وعظمته وكماله، كما أنها صفة فعلية له سبحانه فيرحم من يشاء ولا يرحم من يشاء، قال ابن القيم رحمه الله: "أن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء، كما أن الموجودات كلها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازا كجعل صفة الملك والربوبية مجازا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة. وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا، وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم، وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا، وبرحمته أطلع الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض، وجعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر، وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر" مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 368) |
| المقتضى المتعدي | إن المقتضى المتعدي لاسم الله تعالى الرحيم أنه سبحانه خلق الرحمة في مخلوقاته، فهم يتراحمون بها، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه». صحيح البخاري (8/ 8) رقم (6000)، صحيح مسلم (4/ 2108) رقم (2752)، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار» قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». صحيح البخاري (8/ 8) رقم (5999)، صحيح مسلم (4/ 2109) رقم (2754). قال ابن القيم رحمه الله: "وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان، فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه منها اسم الرحمن الرحيم، وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته، وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته، وأوسع المخلوقات عرشه، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء، ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه، كتب بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابا، فهو عنده وضعه على عرشه أن رحمته سبقت غضبه، وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم، والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر، وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها، فبرحمته خلقت، وبرحمته عمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليها، وبرحمته طاب عيشهم فيها، وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور، ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه، ومن عقوبته بعفوه، ومن نفسه بنفسه، ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، وألقى بينهما المحبة والرحمة، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل، وانتفاع الزوجين، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه، ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عم الجميع برحمته. ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة، نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش والبهائم، وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه. وتأمل قوله تعالى {الرحمن - علم القرآن - خلق الإنسان - علمه البيان} [الرحمن: 1 - 4] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئا عن صفة الرحمة متعلقا باسم الرحمن، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} [الرحمن: 78]، فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة، إذ مجيء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك، فكل ما ذكر عليه بورك فيه وكل ما خلي منه نزعت منه البركة، فإن كان مذكى وخلي منه اسمه كان ميتة، وإن كان طعاما شارك صاحبه فيه الشيطان، وإن كان مدخلا دخل معه فيه، وإن كان حدثا لم يرفع عند كثير من العلماء، وإن كان صلاة لم تصح عند كثير منهم". مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 369) |
| الأثر المترتب على الإيمان بالاسم | 1. إثبات ما تضمنه اسم الله الرحمن والرحيم من صفات ومعاني. 2. شدة بطلان من أنكر رحمة الله تعالى، أو أن اتصافه بها على سبيل المجاز، قال ابن القيم رحه الله: "وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئا بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوله: " «سبقت رحمتي غضبي» " فالمسبوق لا بد لاحق وإن أبطأ، وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة، فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، فسبحان من أعمى بصيرة من زعم أن رحمة الله مجاز". مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 371). 3. عظم رحمة الله تعالى، وسعتها، وأنها سبقت غضبه، قال عبد الحق الدهلوي: "وذلك لأن آثار رحمة اللَّه وَجوده وإنعامه عمت المخلوقات كلها وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب فإنه ظاهر في بعض بني آدم ببعض الوجوه، كما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، وقال: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، وأيضًا تهاوُن العباد وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يعدّ ويحصى، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61]، فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعِّمهم بالظاهر ولا يؤاخذهم، هذا في الدنيا، وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتي، فإذًا لا شك في أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه، اللهم ارحمنا ولا تهلكنا بغضبك وأنت أرحم الراحمين". لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (5/ 174). 4. إفراد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فاتصافه سبحانه بصفة الرحمة العامة والمطلقة والشاملة دليل على ربوبيته وتفرده بذلك، وأنه سبحانه لما كان المتفرد برحمة عباده كان المستحق أن يعبد وحده لا شريك له، ورحمته سبحانه ديل اتصافه بصفات الكمال والجلال، قال السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}: "يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه {إله واحد} أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفو له، ولا مثل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه، لأنه {الرحمن الرحيم} المتصف بالرحمة العظيمة، التي لا يماثلها رحمة أحد، فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته وجدت المخلوقات، وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل نقمة، وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه، وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة، فمن الله، وأن أحدا من المخلوقين، لا ينفع أحدا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات، وأن من أظلم الظلم، وأقبح القبيح، أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك المخلوق من تراب، برب الأرباب، أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه، مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء. ففي هذه الآية، إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع جميع النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى". تفسير السعدي (ص: 77(. 5. عظمة محبة الله تعالى، فهو الذي وسعت رحمته الخلائق، وآثار رحمته عمت الكون، والنفوس مجبولة على حب من يرحمها، فكيف بأرحم الراحمين سبحانه. 6. عظم الرجاء في رحمة الله، وطمأنينة القلب وسكينة النفس، وتجنب اليأس والقنوط، فالله سبحانه رحيم بعباده، ورحمته بهم أشد من رحمة آبائهم وأمهاتهم، قال تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]. 7. السعي في أسباب نيل رحمة الله، كالإكثار من الطاعات، والإحسان، والدعاء، ورحمة الخلق، وصلة الرحم، وغير ذلك مما ثبت في الشرع قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] 8. تجنب ما يبعد العبد عن رحمته، ويقربه لسخطه، كالذنوب والمعاصي، وألا يغتر العبد برحمة الله تعالى، فرحمته سبحانه مع سعتها تنال من عمل لها، ويقابلها اتصافه بالغضب والانتقام، قال سبحانه: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]، وقال تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]. 9. شكر الله تعالى على رحمته، واعتراف العبد بمنة ربه عليه، قال ابن القيم رحمه الله عن آيات صفات المؤمنين: "وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جلا جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته، وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة". الروح (ص: 253). 10. التوكل على الله تعالى، وصدق الاعتماد عليه، وعدم التعلق بالمخلوقين، فهو سبحان أرحم الراحمين، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: 217]. 11. التخلق بخلق الرحمة، والاتصاف بهذه الصفة العظيمة، فالله تعالى يحب من عباده ذلك، ووعد الرحماء برحمته، قال صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنة من الرحمن، من وصلها، وصلته، ومن قطعها، بتته". مسند أحمد ط الرسالة (11/ 33) رقم (6494)، وسنن أبي داود (4/ 285) رقم (4941)، وسنن الترمذي (4/ 323) رقم (1924). 12. الرضا بشرعه وحكمه، وبقضائه وقدره، فكل ذلك تشريع وتقدير أرحم الراحمين، الذي سبقت رحمته غضبه، قال ابن القيم رحمه الله: "فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرا وراء ذلك". مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 32)، وقال رحمه الله: "ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه... ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم. ومن رحمته بهم: أن حذرهم نفسه، لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوف بِالْعِبًادِ} [آل عمران: 30]، قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه، لئلا يغتروا به". إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 174). 13. دعاء الله تعالى والتوسل إليه باسمه الرحمن والرحيم وبصفة الرحمة، وما أكثر أدعية الكتاب والسنة التي اشتملت على هذين الاسمين، وصفة الرحمة، وكذلك التعبيد إلى هذين الاسمين، فعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن». سنن أبي داود (4/ 287) رقم (4949)، وسنن الترمذي (5/ 132) رقم (2833). |